بقلم: د. عبير عطاالله
عضو مجلس النواب عن المصريين بالخارج
I. التحول الفلسفي: من “الرعاية” إلى “التمكين”
في صميم أي مشروع وطني للمستقبل، يقف جيل الشباب كأهم أصوله وأكثرها حيوية. ولسنوات طويلة، ظل التعامل مع هذه الشريحة يتمحور حول مفهوم “الرعاية”، أي توفير الحماية والفرص، وهو أمر واجب، لكنه لم يعد كافياً. لقد حان الوقت لتبني رؤية استراتيجية أكثر عمقاً وجرأة: الشباب هم شريك أساسي في صناعة المستقبل، وليسوا مجرد فئة تحتاج إلى رعاية.
إن هذا التحول الفلسفي ليس مجرد شعار، بل هو تغيير جوهري في زاوية النظر، يُعيد تعريف علاقة الدولة بأجيالها الجديدة، ويضمن أن يصبح الشباب شركاء فاعلين في صياغة كل قرار يخص حاضرهم ومستقبلهم. يجب أن تنتقل النظرة من اعتبارهم “مستفيدين” يتلقون المنح والمبادرات الرمزية، إلى اعتبارهم شركاء مؤسسيين يُساهمون في بناء السياسات والتشريعات.
II. الجيل الرقمي ومتطلبات الحوكمة الجديدة
جيل Z (والذي يليه جيل ألفا) هو جيل وُلد في عالم رقمي بالكامل. إنه الجيل الذي يمتلك مهارات التحول الرقمي بصورة طبيعية، ويتعلم ذاتياً، ويعمل عبر منصات عابرة للحدود. هذه الخصائص تفرض متطلبات جديدة على الحوكمة وإدارة الدولة.
إن رؤية مصر 2030 وضعت “بناء الإنسان ومهارته ووعيه” في القلب، إلى جانب تعزيز “التحول الرقمي”. ومن هنا، يصبح إدماج الشباب ليس عملاً اجتماعياً، بل تفعيلاً مباشراً لمتطلبات الاستراتيجية الوطنية. إن هذا الجيل يمثل البنية التحتية البشرية لنجاح أي مسعى نحو الحوكمة الرقمية، التي تتطلب بطبيعتها اللامركزية والسرعة في اتخاذ القرار. ولأن هذا الجيل يعمل ويفكر ضمن شبكات مرنة وغير هرمية، فإن إقصاءه الفعلي أو تهميش صوته في دوائر القرار هو تمسك بالمركزية القديمة التي تعيق تحقيق الهدف الاستراتيجي للدولة.2
III. المهارة تتقدم على السن: اقتصاد المستقبل
في عصرنا، لم تعد الأقدمية أو الخبرة الزمنية المعيار الوحيد للجدارة والقيادة. لقد تبدلت موازين القوة المعرفية. إنني أؤمن بأن المستقبل ملك من يملك المهارة… وليس من يملك السن.
إن صناعة القرار اليوم تتطلب خبرة متراكمة تتزاوج مع وعي الشباب ببيئات العمل الجديدة، والمهارات الرقمية المتقدمة. عندما تفشل المؤسسات في دمج منظور الشباب، فإنها تُصمم سياسات غير فعّالة أو معقدة، وتفقد فرصة إدخال منظور “العدالة بين الأجيال” في التشريع. لذلك، يجب أن ينعكس هذا المبدأ في كل سياسات التوظيف والترقية والتمكين، لضمان أن تكون الكفاءة المهارية هي القوة الدافعة الأولى في مسيرة التنمية.
IV. الخاتمة: لا يمكن صنع المستقبل بدونهم
السؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يشغل بالنا هو: كيف سنصنع مستقبلنا من دون هذا الجيل؟ الإجابة واضحة: لن يتحقق ذلك.
إن التمكين يجب أن يُترجم إلى تغيير زاوية النظر: من “جيل يحتاج حماية” إلى شريك يحتاج مساحة. ومن “مستقبل مؤجّل” إلى “حاضر قائم”. صوت هذا الجيل ليس رفاهية، بل ضرورة سياسية واجتماعية واقتصادية لضمان الثبات والريادة. هذا هو العهد الذي نقطعه: ترجمة وعي الجيل الرقمي إلى تشريع عادل ومؤسسات مرنة.