الشباب وصناعة المستقبل

بقلم: د. عبير عطاالله
عضو مجلس النواب عن المصريين بالخارج

في قلب أي مشروع وطني يسعى إلى بناء المستقبل، يقف جيل الشباب باعتباره أكثر الأصول الوطنية حيوية وتأثيراً. فالشباب لا يمثلون مجرد مرحلة عمرية داخل المجتمع، بل يمثلون طاقة متجددة قادرة على دفع مسارات التنمية والتطوير. ومن هنا يصبح التعامل معهم جزءاً أساسياً من أي رؤية استراتيجية لبناء الدولة الحديثة.


التحول الفلسفي: من “الرعاية” إلى “التمكين”

لسنوات طويلة، تم التعامل مع قضايا الشباب من خلال مفهوم “الرعاية”، أي توفير الحماية والفرص الأساسية لهم. ورغم أهمية هذا الدور، فإنه لم يعد كافياً في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم. لقد أصبح من الضروري تبني رؤية أكثر عمقاً تقوم على اعتبار الشباب شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل.

هذا التحول في الرؤية يعني إعادة تعريف علاقة الدولة بأجيالها الجديدة، بحيث لا يُنظر إليهم باعتبارهم مجرد مستفيدين من المبادرات، بل شركاء مؤسسيين يشاركون في صياغة السياسات والتشريعات والبرامج التنموية. إن تمكين الشباب يعني فتح المجال أمام أفكارهم وخبراتهم للمشاركة الفعلية في بناء القرار الوطني.


الجيل الرقمي ومتطلبات الحوكمة الجديدة

ينتمي الجيل الحالي من الشباب إلى عالم رقمي بالكامل. فجيل Z وما يليه من الأجيال نشأ في بيئة تعتمد على التكنولوجيا والاتصال الرقمي المستمر، وهو ما منحهم مهارات طبيعية في التعامل مع التحول الرقمي، والعمل عبر منصات عابرة للحدود.

تضع رؤية مصر 2030 “بناء الإنسان ومهارته ووعيه” في قلب استراتيجيتها، إلى جانب دعم التحول الرقمي في مؤسسات الدولة. ومن هنا يصبح إشراك الشباب ضرورة استراتيجية، لأنهم يمثلون البنية البشرية القادرة على قيادة هذا التحول. إن قدرتهم على العمل ضمن شبكات مرنة وسريعة التفاعل تجعل مشاركتهم عاملاً أساسياً في نجاح منظومة الحوكمة الحديثة.


المهارة تتقدم على السن: اقتصاد المستقبل

لم تعد الخبرة الزمنية وحدها هي المعيار الحاسم في تحديد الكفاءة أو القدرة على القيادة. ففي اقتصاد المعرفة الذي نعيشه اليوم، أصبحت المهارة والمعرفة الرقمية والقدرة على الابتكار هي العناصر الأكثر تأثيراً في صناعة المستقبل.

إن المؤسسات التي تنجح في دمج خبرة الأجيال السابقة مع مهارات الشباب هي المؤسسات الأكثر قدرة على الابتكار والاستجابة للتغيرات. أما تجاهل صوت الشباب في دوائر صنع القرار فيؤدي غالباً إلى سياسات أقل فاعلية وأبعد عن واقع الأجيال الجديدة. لذلك يجب أن تعكس سياسات التوظيف والترقية والتمكين هذا المبدأ، بحيث تكون الكفاءة والمهارة هي الأساس في التقدم والمسؤولية.


الخاتمة: لا يمكن صنع المستقبل بدونهم

السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن بناء المستقبل دون إشراك هذا الجيل؟ الإجابة واضحة؛ لا يمكن تحقيق ذلك دون حضورهم الفاعل في كل مسارات التنمية وصناعة القرار.

إن تمكين الشباب يجب أن يُترجم إلى سياسات واقعية تمنحهم المساحة للمشاركة والتجربة والإبداع. فصوت هذا الجيل ليس مجرد إضافة، بل ضرورة سياسية واقتصادية واجتماعية لضمان الاستقرار والتقدم. وعندما تتحول طاقة الشباب إلى قوة مؤسسية داخل الدولة والمجتمع، يصبح المستقبل مشروعاً مشتركاً يبنيه الجميع.

#الشباب_يصنع_المستقبل